تحليلي رواية (موت صغير )محمد حسن علوان


                   (رواية،بوكر ،  600ص،دار الساقي )


موت صغير للروائي السعودي   محمد حسن علوان دخلت  القائمة القصيرة لجائزة البوكروفازت بالمركز الأول في 2017.

 سأحاول استخدام النقد النفساني و التحليل النفسي كمنهج لقراءة هذا النص،آملة أن أستطيع من خلال التحليل أن أفهم طبيعة سير الأحداث وتأثير الزمن والمكان فيها وفي الشخصيات التي سنحاول التعرف على سلوكها وخباياها .ونبحث في النص عن الرموز والدلالات.

الشخصييات:
سنتعامل مع الشخوص في هذا النص السردي باعتبارهم أشخاص حقيقين لهم دوافع خفية لهذه الأفعال ،سنحاول رصد طرائقهم في التعبير عن ذواتهم ،وتخطي سلطة الرقيب لينعموا بتحقيق رغباتهم وطموحاتهم ،نحاول أن نتفاعل مع النص بكل خيالنا ورؤيتنا .

نبدأ مع شخصية محي الدين ابن عربي التي يمكن اعتبارها شخصية رئيسية ،لو ركزنا في سيرته المحكية والتقطنا من تاريخه لمحات في فترة طفولته
وجدناالطفل يقع تحت سلطة أبوية حاولت أن تعلمه السباحة وركوب الخيل وتعده ليجد مكانا في بلاط الخليفة .

كان للولد رأيٌ آخر تثبث في لاوعيه وتمثله في كل سلوكه وأحلامه ونجم عنه سلوك مضاد لتوقعات والده فتهيب السباحة ،وفشل في تعلمها وأحب الكتب والقراءة ولزم دكاكين الوراقين وأحب الفلسفة والعلوم والتأمل في الطبيعة
(لا تلزمني ما أكره،فإن القلب قد تعلق بالله 

فلا تصرفني عنه ).


كان ذكيا فطنا يجيد النقد والملاحظة (كأن عمل والدي ثلاثة رجال في رجل غير آبه بما تفسده ثلاثة قلوب في صدر رجل واحد )

يرى تلون أبيه في أدوار عده في كل مهمة يلبس قناعا ثم يتقمص الدور باحترافية ،لكل مقام مقال ولباس وكلام.

أبدع الراوي في وصف هذه الشخصية الأب ودوافعها لمثل هذه التغيرات وخاصة في وصفه صهر خاتمه وتحويله لخاتم نسائي لوالدته وحول لباسه الحرير إلى خمار لابنته 


والسبب معلن في بيان الخليفة الجديد لأشبيلية الذى جرّم التحلي بالذهب ،ولبس الحرير للرجال وهو من رجالات البلاط وليس له إلا السمع والطاعة .

وكان للحلم التنبؤي دورا في إشباع الرغبات المكبوتة بعيدا عن سلطة الرقيب ،يظهر ذلك جليا في حلم الشيخ الذي ينقذه من الغرق ويقرأ عليه يس (لم تكن صورة بل كانت رسالة الله إلى قلبي).

كأنه يظهر خبايا تعلقه بالتصوف ،وخوفه من حياة قد تكلفه مالا يطيق ،لكنه يبصر بعين قلبه النور في طريق الله .

وحلم آخر لا يجب أن نغفل ذكره حلمه بمريم قبل الزواج بها

كأنها كشوفات أولي في سن مبكرة عن نزعات مطوية بعيدا يستشعر وقوعها


لعل أوضحها تنبؤه بموت والده ،وأحلام أخرى عديدة لا يتسع المقام لذكرها ويمكن متابعتها وفك رموزها أثناء قراءتها والتأمل فيها .

سأنتقل لشخصية نسائية هي شخصية والدة ابن عربي ورة فعلها تجاة قدوم الجارية (درة ) هدية من الخليفة وطلب منها الزوج أن تهدأ ، فعلمتها شئون الدار والاهتمام بسيدها ثم طلبت الانفراد بغرفة لنفسها مع بناتها قائلة: (إن ذلك أصلح لك من الانتقال بين سريرين كل ليلة).

هي تظهر الرضا والخضوع لرغبة زوجها والتسليم بإرادة العرف المجتمعي آنذاك الذي يعتبر الجواري مكملات لحياة الرفاهية في القصور ، حيث لا يعيب الرجل وجود الجواري حتى وإن كان متزوجا ،وزاد الحظر والمانع قوة أن هذه الجارية هدية من الخليفة تعامل بالاحترام والاهتمام وهنا تحكم السلطة المجتمعية الضغوط على الزوجة وتلجأها لآليات دفاعية عن ذاتها المتألمة .
فتثأر لكرامتها بسلوك مضاد ؛حين تعتزل في مخدع بناتها
شخصية نظام ابنة الشيخ زاهر التي تعلق بها ابن عربي -حسب رواية السارد

لو نظرنا لعلاقتها مع ابن عربي في البداية كانت تلميحا وإفضاء بمكنون الفؤاد في مجالس قراءة الكتب، لكنها تحولت فجأة للتمنع والهجران وأوقعته في حيرة ولم يعرف كيف بيرر صدها .


حتى أخبرته أن هذا نوع من التطهير للروح ثم اختفت بعدها .

وأركز على خوف ابن عربي من اتهام الناس لما كتبه في كتاب ترجمان الأشواق على أنه في حب نظام ورغم معرفتنا لهذه العلاقة لكن ابن عربي ينفيهاويذكر دوافعه للكتابة، ويجعل هذه القصائدرمزا للأوراد الإلاهية ،ويجعل من نظام رمزايمثل المخبوء في صدره الذي يعرضه في صورة نصوص تشبه علاقة حبه بنظام .

طبقا لفرضية فرويد( فإن غاية العمل الفني هي إيجاد متعة الإشباع لرغبات لم يتم إشباعها قديما أو حديثا ).

ووضح ذلك في تعمده النفي، ومحاولته إشباع رغبته وطموحه في اللقاء والوصل من حبيبة نَعم بقربها قليلا ثم أفجعته بالهجر ثم البعاد فحقق في الخيال والكتابة ما منعته عليه ظروف الواقع

يمكننا التعرض لشخصية عم ابن عربي التاجر الطيب الذي ظل ينتقد أخاه ومطاوعته الخلفاء وابتعاده عن الزهد والتقي.

العم شخصية ثانوية متنامية تحولت من الاستقامة والالتزام بحياة بسيطة بعيدة عن البلاط ومحبة للدروس، إلى مدمنة للخمر تخفيه في أواني العطارة فيتمثل بأفعاله أمورا غير مايخفي من إثم حتى يكشفه ابن عربي الصبي وينهره فيعود بعدها تائبا .

الدوافع ظاهرة في سياق تاريخي لعائلته وتاريخ تغير الأندلس كلها وأشبيلية بصفة خاصة ووضحت في زواج ابنته من مولِد (من أجناس غير عربية .


ورغم ضغوطات والد ابن عربي لإيقاف هذه الزيجة تم كل شيء ورضح للواقع ،خضع لسلطة التغيير التي أثرت في المجتمع حينها باختلاط الأجناس ومانجم عنه من تأثر اللغة والحياة كلها في جميع نواحيها.

شخصية محي ابن عربي الشيخ الذي نهل من العلوم وبحث عن أقطابه ليلملم شتات روحه ويصل للعلوم القلبية يجد من الواقع سورا يحد إرادته ولا يعينه على تتبع خطواته وإكمال رحلته، فاستعان بمخيلته وأمعن في الخلوة داخل الصومعة مع شيخه وبدأها مجربا وزاهدا مريدا، وانتقل لمراحل كثيرة التقى بها شيوخا كثر منهم الحي ومنهم من التقاه بخياله واستحضره ليحاوره .

كانت محاوراته إشارات وفتوحات وتشارك لهم المعارف وانتقال من مقامات وترقي ومجاهدة للنفس


الأحداث :
الرواية كلها رغم نفسها الطويل تتبع نمط الحكي الأشبة بسيرة ذاتية للشيخ محي الدين ابن عربي والتركيز عليه كإنسان وليس كصوفي فقط اختلف عليه الشيوخ والعلماء والعامة، وتضاربت عليه الآراء في وصف سلوكه بعضهم رآه شيخا وقطبا صوفيا وليا وآخرون اتهموه بالجنوح والانحراف في التفسير عند حديثه عن الحلول والذات الإلاهية .

يحسب للكاتب عرضه الرأيين وحياديته في سرد هذه الحياة وأجمل ماصنعه السارد رصد هذه المراحل الحياتية في سيرة الشيخ مابين ذكر وجد ولهو وغفلة

لسنا في معرض مقارنة بين هذه السيرة المعروضة والسيرة الحقيقية وهذا عمل أدبي سردى يفترض فيه أن يقوم الخيال فيه بأدوار فعاله .

يهمنا التقاط من هذه السيرة بعض المحطات نذكر منها الخلوة واعتزال الناس والتقشف في ملبس وطعام والجلوس في المقابر ودروس العلم ولقاءاته بالأولياء
من خلال هذه المراحل تظهر الأحداث متشابكة ومتتالية تنقلنا تباعا لنبصر تطور وتنامي الأحداث وتغيرها وتأثر ابن عربي بها حاول أن يندمج بها حينا حين عمل كاتبا في البلاط وتزوج وأنجب .

وتحرر منها أحيانا عندما أدمن الترحال والبحث مرورا بمدن كثيرة ولقاءات غير متوقعة بشيوخ مثل الكومي وأبي مدين والحصار وزاهر وغيرهم وصولا للحجاز .


  ويرافق ذلك تغير مجتمعي يغير وجه الحياة تفرضه تغير الخلفاء وطبيعة الصراع بين العرب وغيرهم من الخصوم
وتغير الأماكن يلزم الأفراد بنهج سلوكيات معينة والتزام قوانين وأعراف خاصة فتواجده في مرسية غير إشبيلية غير قرطبة غير مصر .


جعل الحجاز نقطة الوصول وأقام بها بعدما آلمه عذاب فقد شيوخه وحبيبته وموت ابنته .


السارد يجعل من هذه الرحلة رمزا للبحث عن الذات (السفر إذا لم يكن معه ظفر لا يعول عليه )،(السفر قنطرة لذواتنا)
قد يثقل الأحداث كثرة التداخلات بين الحقيقة والمتخيل في ذهن ابن عربي في لحظات الانجذاب .
وقد يعوق التحليل أحيانا تفاصيل كثيرة لردود الفعل
تجاه هذه المتغيرات من المريد والشيخ والعامة أيضا

    الصراع هنا قائم في مستويين:

المستوي الأول : صراع داخل النفس بين الرغبات والطموحات والتعلق بدنيا غرورة وبين المجاهدة والصبر والثبات على تطهير القلب .وكلها تظهر وتختفي مابين حديث للنفس ،أو تصريح لصديق أو اعتراف علني بمجاوزة الصواب.

المستوى الثاني :صراع دائر على مستوى أكبر بين المجتمع والظروف وكيفية مجابهتها .
(تكمشت أسوار أشبيلية في عيني حتى غدت سجنا حجريا لا فكاك منه )

لنأخذ خطر التتار مثالا وتخوف الناس ومحاولتهم الهرب حتى أن والد ابن عربي لم يغضب عندما علم أن ولده قايض 30 بقرة بجمل واحد .ورآها صفقة جيدة لأن الفرار آمن لكن البقاء في المدينة خراب لكل الممتلكات على يد عدو ظالم ،تمثل في بشاعة تدميره للمدن وتنديسه للحرمات وتخريبه جدران الحضارة .

بهذه الصورة التي ترسخت في وعي المقيمين بالقرب من هذا العدو والصورة التي رسموها بخوفهم وتخبأت في ضمائرهم وتمثلت في سلوك الأمهات النائحات وهجر أماكن الرزق والإقامة والنجاة بالنفس.


هنا تتجلى رغبة النفس من التحرر من الخوف بالبحث عن بدائل كالهجرة كما فعلت عائلة ابن عربي والترحال مثلما صنع ابن عربي عندما منع من تدريس منهجه في المسجد بأمر الخليفة ففر بعيدا عن مقص الرقيب واضطهاده .

اللغة :
لغة محبوكة السبك ، متنوعة القوالب ،استطاع الكاتب المحنك هنا في صناعة اللغة المحكية أن يشحنها بالدلالات والرموز التي نجد فيها فرصة للإمتاع بجمال بنائها من جهة ومحاولة تأويلها من جهة أخرى ومعرفة كوامنها .
استخدم قوالب رسمية مثل البيانات للخلفاء التي تطرح في الأسواق أو الشوارع أو الخطب في المساجد .
وكلها قوالب تكشف طبيعة ووجه النظر المتضمنة أوامر وتعليمات وإيحاءات بالقبول والطاعة .

 لغة المتصوفة:

التي تتضح في مقولات ابن عربي وشيوخه ونصائحهم وحديثهم، لغة غنية بالرموز ملغزة أحيانا تحيل لتفسيرات محددة من قبل أطراف محددين .

ونذكر هنا قولا للخياط الذي أتي ابن عربي بلا موعد (لقد قبض الله رفيقك ولم يقبض طريقك فأكمل سفرك
السلطة النفسية هنا تجعل للغة سحرا يؤكده معتقد روحي للمتحدثين يقتضي طاعة تامة .
وننتقل لطرف من حديث ابن عربي مع نظام :
( _ ماذا لو طال الغياب؟
*يغلي قلبي بالأشواق وتطرب روحي فلا أسكن أو أنام )

هنا سلطة الغرام التي تجعل الكلام يرق ،والبلاغة تُجَمِل الحروف وترصف المعاني ، والمحب يفرض رأيه بالوصال أو الهجران ورأت نظام الفراق تطهيرا للروح .

ولو تطرقنا للحديث عن المكان والزمان لطال بنا الحديث والتحليل ليشمل النماذج من الأماكن وأنواعها وتأثيرها في ساكنيها وطباعها وأوضح
ماعلق في ذهني من أوصاف هذا الوصف:

(نهرإشبيلية بارد وصخور قعره حادة خلاف شقورة الذي كان جريانه أهدأ وماؤه ضحلا)تأمل كيف يخبأ هذا الوصف تغرب نفس ابن عربي في هذا البلد
وتأملوا (لكن برتقالها مر لا يؤكل ليس كبرتقال مرسية
مر المذاق ليس فعليا ، لأنه يكبت حنينا لموطن طفولته وذكرياته التي تجعل الزمن الماضي جميلاومثاليا وغير قابل للمقارنة مع حاضر في مكان آخر مهما بلغ من الجمال.

وجدت في رواية موت صغير أثناء قراءتها صعوبة في التحليل؛ نظرا لطولها وثراء مادتها بمعلومات تاريخية وجغرافية عديدة أدت لتشتت القارئ والتملل أحيانا من تقطع الخيوط السردية بأوصاف طويلة .

رأيت في موت صغير حياة جديدة أراد أن يعيشها ابن عربي بعد فقد نظام ،فصهرته تجربة الحب البشري لتؤهله لمرتبة أرقي من العشق الصوفي للذات الإلاهية .
ربما لو قصرت الرواية قليلا لتلاشى هذا التملل ولظهرت عناصر البناء وسلوك الشخصيات بجمال وتشابك أكثر.

كان ماسبق قراءة تحليلية في ضوء النقد النفسي
أتمنى أن أكون وصلت بتأويلاتي وتفسيراتي النفسية
جانبا من الحقيقة المخبأة في صدر هذا النص الثري
ولعله بحاجة لأكثر من قراءة لاحتماله أكثر من تأويل ،وجهد الكاتب يستحق التقدير .



قراءة وتحليل :
بقلم /نهى رجب محمد
............................................
الاقتباسات من ( )

رواية موت صغير أ. محمد حسن علوان ط1

دار الساقي

كتاب دليل الناقد الأدبي د.ميجان الرويلي،د.سعد اليازعي ط3،المركز الثقافي العربي






















































































































































































المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليلي رواية غراميات شارع الأعشى

تحليلي كتاب جبلنا الجليد يذوب .جون كوتر