تحليلى رواية( السبيليات) إسماعيل فهد إسماعيل



  السبيليات رواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2017
استطاع الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل أن يقدم نصا سرديا ممتعا في أحداثه ونماذجه البشري وعرف كيف يعمل بحرفية في بناء الرواية وتلاحم عناصرها وسنحاول أن نرافق شخصياته ونتبع خط سيرها لنسبر أغوار هذا النص الثري .
(رواية ،167ص،دار نوفا للنشر )

المكان وأسْرالذكريات :
المكان ليس مجرد حيز للوجود والحياة ،لكنه موطن 
للتشبث بالذكريات واستعادتها ،السبيليات تلك القرية العراقية جنوب البصرة التي تحولت للجدب بفعل آلة الحرب القاسية .
جذعت نخلاتها تحت وطأة القصف ويبست أشجار السدر والرمان والمشمش تأمل الصورة
 (انقبض صدرها رأت خندقا موحلا شأن أنهار أخرى صادفتها ....يترسب طعم المرارة تحت لسانها )
لكن السارد بضمير الغائب يستخدم العودة للوراء لاستعادة هذه الأماكن فنراها مأهولة بسكانها وعاداتهم وصنائعهم ومعتقداتهم ونذورهم.
تسترجع أم قاسم تفاصيل وقصص عديدة يعرضها الراوي بتقنية القص داخل القص فنستكشف تلك الأماكن ونشاهد بعين الخيال  منزل النجار الأطرش وطريقةمعيشته ؟ونعرف أخته التي تبيع الطرشي ونمر على بستان الديليشية العامر بالفاكهة .
ونستريح رويدا في منزل أم قاسم الذي يعج بصوت ودفء عائلتها وقصص أخرى كثيرة تحمل نبض الحياة الحلوة قبل التهجير فندخل بيوت ومساجد وزوايا وبساتين .
يبقى للمكان الأول سره الخاص الذي يجذب أم قاسم للعودة؛ لتدفن رفات زوجها متحدية الظروف الصعبة  تحت القصف .
لا يستخدم المكان هنا كمجرد خلفيات وصفية فقط لكنه يقوم بدور بنائي يُعرف بالبيئة وتغيراتها في  الحرب، ويشير لتوحد القروي ببيئته وزرعه وحيواناته
تأمل بعين أم قاسم  النخلة (راحت عيناها نحو نخلة كانت سامقة قبل أن تتعرض لانقصافها جانبا ،مال رأسها بثقل سعفتها ،وظل معلقا في مكانه عاليا ).
كأنه لايصف شجرة بل يسعي لأنسنتها وإعطائها روحا
ويظهر المفارقة بين زمن الجدب الحاضر وزمن الخضار الماضي .
 استمتعت بالتنويع في عرض التفاصيل والدقة في وصف الأماكن التي مرت بها أم قاسم في الطريق والبيوت والمطابخ وشط العرب ،يقدمها السارد بفلاشات سينيمائية تلتقط الصورة والصوت  والرائحة صورة حية  
 بارع في استخدام الوصف المشهدي وخاصة في صورة المد، وتعاون الجنود معها في صيد السمك الوفير  بالشباك ساعة انحسار المد .
مشهد نقلها شتلات الورد الجوري  من حافة الماء وزراعتها بذور الفاصولياء وغيرها تأمينا للغذاء .
ومشهد محاولتها سد الثقوب في الجدران بعزم مستغرب من امرأة بلغت الخمسين ووهنت عظامها.
 لكنها اعتبرت نفسها مسؤولة عن إعادة إعمار القرية بترميم ماتهدم منها وري زروعها ووضعت في خطتها أيضا تفقد الموجود من خزين الطعام في مطابخ الراحلين .
بذلت جهدا في تنقيته من الحشرات وحصلت على كميات كافية من الأرز والبقوليات واحتفظت بعلب الطرشي الناضج لتهدي منها للجند ردا على هديتهم من السكر والشاي .
وأخيرا لا يمكنني أن أنسى مشهد حفرها القبر وتبليطه بالطابوق وحديثها لزوجها المتوفي حديث الزوجة الوفية .
الأماكن في هذه الرواية لا تستعاد فقط على مستوى الخيال للاستئناس بها ،ولكنها تستعاد فعليا على مستوى الواقع بترميم المصاب من الجدران  بالقذائف وتنبيه الجنود لأماكن الدانات الخطرة  وبناء الأماكن الجديدة كالعريش 

الزمن المتغير :
  انتقلنا من زمن الاستقرار وهدوء العائلة في دارها إلى زمن التهجير والقلق والإقامة المؤقتة في الخيام انتظارا لزمن عودة غير معلوم .
استقامت هذه الحياة قليلا حين استأجر الناس حمير أم قاسم وتحسنت ظروف معيشتهم .
أفضل ماصنعه الراوي ثقوب الزمن التي تخللت السرد وإخذتنا من الزمن الماضي للحاضر والعكس فنقلتنا بقلب أم قاسم إلى زمن الماضي الجميل حيث دارها العامرة بعائلتها الكبيرة وعلاقتها بجيرانها الطيبين.
العودة للوراء هنا لاتأتي بشكل فجائي لكن بمرونة وسلاسة عبر لحظات خلوتها أو حين تنام في سياق
أحلام .
ثم ننتقل لزمن آخر زمن اخترعته لنفسها وسط القصف زمن أم قاسم بدلا من كونه زمنا للحرب يتناول المناوشات المتتالية والهدنات.
زمن أرادته زمن خير ورخاء وري بدأته بكذبة على أبنائها حين ادعت أن والدهم أوصاها بنقل جثمانه للسبيليات.
احتالت بحكمتها وخبرتها لإقناع القائد عبد الكريم فسمح بفتح السدود ووصل الماء في قنوات 
واستطاعت بقلبها الجسور، وإيمانها وإصرارها على تمديد مدة إقامتها في القرية.
 نجحت في  استقطاب الجنود، قدمت لهم الغميسة والطرشي، واستعانت بهم في الصيد والترميم وأعمال الفلاحة  ،كانت ودودة معهم فأخبرت صادق سرها وهمها ورثت لحالهم وحزنت لشهدائهم .
احتالت بذكاء  بحلمها الذي اخترعته: (وصيتي لك أن أدفن تحت النخلة الحلاوية في حوشنا ..زارني في حلم البارحة.بعدما تنتهي من دفني مطلوب منك تقومي بتلاوة القرآن الكريم على قبريساعتين في اليوم لمدة أربعين يوما ).
كرست تفكيرها وخيالها حتى تجعل هذا الزمن زمنا للنماء الذي يصارع الجدب ويعيد للأرض والقرية التي أحبتها نبضها.




الأحداث نهر متجدد:

       تتوارد الأحداث وفق ترتيب متسلسل كأنها تحكي سيرة ذاتية لأم قاسم براوِ يسرد بضمير الغائب يحكي عن انتقالات العائلة  ومعاناة تلك السيدة العجوز وهي تعبر الطريق الطويلة يسكنها الخوف .
الحدث الرئيسي في السرد انتقالها خفية وتركت خلفها أسرتهابرفقة حمارها   قدم خير و عندما وجدها أولادها تصر على دخول السبيليات  وهي تحت القصف رأوهامجرد عجوز تخرف وانصرفوا عنها راجعين .
الحدث التالي الذي كان بمثابة نقطة البداية في مهامها في القرية: هو تحطيمها السد .ورغم الصعوبة وتعرضها بسبب فعلتها للشك والمساءلة من القائد 
عبد الكريم ، تتوالي إنجازاتها الصغيرة وتنقل الورد الجوري من الشاطيء لتزرعه في البيوت .
تكثر المفاجآت التي تغير مجري الأحداث وتضطرها لترك قبر زوجها مفتوحا خوفا من ترحيلها باعتبارها مدنية في منطقة حربية محظورة.
كان لهذا التغير وإعادة القصف من العدو أثرا في ل انقطاع الاتصال بالموقع الرئيسي ،وتعذر وصول السيارة التي تحمل المؤن وتعيد أم قاسم لأبنائها.
هنا ظهر دور أم قاسم في صناعة الأحداث حين عرفت أماكن الطعام واستعانت بالجنود لتفقد الخزين الذي سيكفي مدة طويلة .
يشكرها العقيد المسؤول شخصيا،فيما بعدتقترح عليهم فتح كل السدود التي ظنوا أنها مكان لتسلل الضفادع البشرية من جنود العدو ،بينما رأتها أم قاسم مجرد قنوات للري .
هناك حدث آلمها حين رحل جاسم الجندي لأنه تتعلق بها وناداها أمي وعاونها في عمل ماكينة الدبس ولكن بوقاسم أخبرها بعودته وعاد للمعسكر وتحقق نبوءتها رغم غرابة عودة جندي معاق في يده .
أحداث متلاطمة متباينة تؤكد على أن الحياة لها قوة دافعة رغم كل فجائيات القدروتقلب الظروف تدفع من يمتلكون العزم ليستمروا ويقاوموا العثرات.
هذا ماجعل أم قاسم تبقى ويعود جاسم ويركب خطافه المعدني الأنيق على ساعده ويستعد لمساعدة أم قاسم في المدبسةرمز التجددوعلى وجهه ابتسامة
الرضا .


الشخصيات نماذج  :
........................
الشخصية المحورية في السرد هي أم قاسم التي يقدما السارد باعتبارها نموذجا للأم العربية الصابرة الحكيمة التي عركتها الظروف العصيبة في الحرب فأمدتها بالصلابة في أيام المحن، زيادة على طاقة من الحنان والحب لأسرتها 
تواجه فقد الزوج الحبيب وتعاف الطعام حينا وتقف في وجه التهجير وتساند أبناءهاورغم ذلك تصر على العودة للديار .
كأن الكاتب برصدها لأفعالها الكبيرة التي تدفعنا للتساؤل كيف لامرإة في العقد الخمسين من عمرها أن تقوم بمثل هذه الأعباءالشاقة في المعسكر كأن السارد أراد أن يجعل منها رمزا للعطاء وعودة الخير
شخصية الزوج بوقاسم
الحلم في السرد يقوم بأدوار تنبؤيةحين يتنبأ برجوع جاسم ويشير بوقاسم عليها بكسر السد ومعاونة الجند.
كما يقوم الحلم بأدوار معرفية تكميلية للأحداث حين يخبرنا عن شخصية بوقاسم الحاضر الغائب ،الحاضر في ذهن أم قاسم وقلبها ومخيلتها تناجيه وتشكو له وتراه حاضرا يملأ السمع والبصر في أحلامها الكثيرة يرشدها للصواب، ويقوي عضدها على تلك الحياة القاسية في المعسكر  والغائب عن دنيا البشر.
نري في شخصية الضابط صادق نموذج الملتزم بالتعليمات، ونبصر في جاسم نموذج لكل الأبناء الذين أفقدتهم الحرب أهلهم فأصبح رمزا لتأثير الدمار على الأفراد حين فقد عائلته ووجد في أم قاسم والدته وناداها أمي وتعلق بها حتى سلبته آلة القصف كفه 
يجيد الراوي تقديم الجانب الإنساني في سلوك  الشخصيات فنشعر الود والاحترام من القائد
 عبد الكريم لأم قاسم رغم هيبته القيادية ووظيفته فيرسل لها السكر والشاي ،ويسمح لها أخيرا بالبقاء إن أرادت .
الحرب قد تغير النفوس لكنها لا تؤثر سلبا في الشخصيات الأصيلة ذات القلب النقي .
شخصية الحمار( قدم خير)  التي وفق السارد في تشخيصها فجعل أم قاسم تأنس بمرافقته في رحلتها ،تبثه شكواها وموطن سرها ويهز رأسه كأنه يفهمها ويسمع أوامرها حين تطلب منه عدم إصدار صوت في الطريق قرب المعسكر .
تعامله كولدهاتخاف عليه وتهلع حينما يغيب عن عينها ،
تأمل معي ماذا قالت لحمارها العزيز:( هل تعدني بأن ترعاني لحين بلوغنا بيتنافي السبيليات،نفذت كلماتهافي ذهن قدم خير ).


اللغة المحكية :
يتضح جهد المؤلف في العناية باللغة المحكية وشحنها بدلالات ورموز ثرية مع التزام الدقة والصحة  والبلاغة عند الوصف ،والأناقة في تنسيق الجمل بشكل يوصل المعاني في قوالب جميلة ،النص السردي  مكتوب بلغة سلسة تنساب بعذوبة التصوير
اختيار المؤلف لعنوان السبيليات اختيار موفق   وكذلك العنوان الفرعي (مالم يرد ذكره من سيرة أم قاسم )
هذا التنويه المراوغ يحيلنا لحيلة سرية استخدمها الكاتب أكدها في المقدمة حين كلمه الصحفي (بصفتها مسقط رأسك يلزمك أن تكتشف السر)
 ووقعنا في فخ تلك الحيلة الروائية وأوهنا السارد بواقعية الأحداث ،رغم أنه استمد من معطيات حياة واقعية وشخوص في السبيليات ليقيم عالما متخيلا يقربنا من فهم طبيعة هذه القرية الجميلة ويلقى الضوء على بشاعة الحرب وتبعاتها التي  تقطع شرايين الحياة في الأرض 
بالمجمل رواية السبيليات تستحق أكثر من قراءة استمتعت برفقتها ، وتقمصت شخصياتها وعايشت أزمانهم الحقيقية والمستعادة.
 كانت النهاية المفتوحة بعودة جاسم للمعسكر تحمل بداية جديدة ،وأمل في انتهاء الحرب وإعادة إعمار الوطن وورجوع  الطيور لأعشاشها لتنعم بالأمان وسط صغارها .
السبيليات  نص سردي باذخ في بنائه وفي طرحه قضايا إنسانية تتعلق بالوطن وأحلام العودة .
وكل نص يحتمل أكثر من قراءة ،ويحيل لعدد من التأويلات.
نهى 🖊

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليلي رواية (موت صغير )محمد حسن علوان

تحليلي رواية غراميات شارع الأعشى

تحليلي كتاب جبلنا الجليد يذوب .جون كوتر