تحليلي كتاب الشعلة الزرقاء رسائل جبران لمي
لطالما أعجبت بشخصية مي زيادة ،ورأيتها نموذجا للمرأة العصرية المثقفة التي اكتسبت احترام المجتمع وكل من ارتاد صالونهاالأدبي من قامات الفكر والأدب ولا ألومهم إن وقع بعضهم في غرامها ،
ومن لا يحب مي .
قرأت هذا الكتاب بقلبي وتلمست فيه روح مي التي لازمتني وكلماتها مثلما لازمت جبران في حله وترحاله وتمثلها في كل مكان ارتاده .
يحمد هذا الجهد الجيد من الباحثة والمحققة سلوي الحفار في تقديم تلك الرسائل بعد تنقيحها وتصحيحها وإضافة الحواشي والهوامش للتعريف ببعض المجلات والشخصيات من الأعلام التي ذكرت بالرسالة .
سلوى الحفارالكزبري:
أديبة وباحثة وقاصة وروائية وكاتبة سيرة ولها الكثير من المؤلفات الثرية ونالت لعض الجوائز . ويشاركها
د.سهيل بديع بشروني:
مؤسس الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية وأستاذ منبر جبران خليل جبران في جامعة ماريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية .وصدر له العديد من المؤلفات باللغة العربية والإنجليزية .
وبمناسبة الاحتفال بمئوية جبران المئوية صدرت هذه الطبعة الثانية بعد ظهور الوثائق الأدبية التي تضمنت 36رسالة وبعض البطاقات وكلها توثق 20عاما من الحب في طيات رسائلجبران إلى مي في الفترة (1914_1931)
لايوجد من رسائل مي إلا القليل مقارنة برسائل جبران .
وتقديم المؤلفة الشكرلعائلة المرحوم جوزيف زيادة أحد أقرباء مي على إعطائهم مخطوطة الشعلة الزرقاء .
اعتبرت المحققة قيمة هذه الرسائل :
_كشفت جوانب خافية من شخصية جبران الطفل وظروف نشأته ،وحبه لوالدته ،وجبران العاشق ونظريته في الحب، وجبران المتيم بوطنه (إن شوقي لوطني يذيبني )..لكنه يقطع كل أمل بالرجوع.
_هذه الرسائل أغنت المكتبةالعربية في
أدب المراسلات .
_أعطت معلومات ثرية عن ومجلات وشخصيات بارزة وأعلام ونقاشات عن تاريخ الأدب والفن ٠
تحكي تلك الرسائل وتخلد قصة _حب ضبابي_ على حد تعبير جبران الشاعر المجدد والكاتب والرسام الذي أسس الرابطة القلمية مع ميخائيل نعيمة وعبد المسيح حداد ونسيب عريضه والذي تبنت فكرة التجديد في الأدب العربي
ربط روحه بروح مي زيادة ماري اسمها الأصلي اختارت اسم مي اختصارا ولتشابهه مع الاسم العربي الجميل الذي تغنى به الشعراء واشتهرت بهذا الاسم في الأوساط الأدبية .
مي الشاعرة والأديبة المرهفة رومنطيقية النزعة وكاتبة المقالات والصحفيةوالمرأة الشرقية الجميلة اللبنانية ومن مؤلفاتها:
(باحثة البادية ،بين المدوالجذر،ولهاديوان شعر بالفرنسية ابتسامات ودموع ).
مي صاحبة المجلس الأدبي الذي يعقد يوم الثلاثاء (صالون الآنسة مي )ويحضره لفيف من أعلام الفكر وفرسان الشعرو... مثل أحمد لطفي السيد وخليل مطران وإسماعيل صبري وقاسم أمين والعقاد ود.طه حسين والرافعي ..
مي صاحبة العقل النيروالفكر المتوقد التي امتلكت جاذبية بالحديث ،حيث كانت ملمة بالثقافة العربية والغربية وكانت تمتلك قوة في الإقناع والانتقاد أيضا وإجادة اللغة الإنجليزية
جمعهما مع جبران حب الكلمات ،والتعلق بالمعرفة، حب عظيم تسامى عن كل مادي ،ومشاعرٌ قد تقترب من قصص الحب العذرية التي قرأنا عنها عدا أنهما لم يلتقيا قط .
أعجبني طريقة الكتاب في عرض الرسائل تباعا موثقة بالتواريخ إن وجدت ملحقة بتفسير الحدث وتوضيح ملابسات الموضوع .
ووضع صورالرسائل المخطوطة في نهاية الكتاب
هذا الحب الذي جمع حيرة جبران وهروبه الدائم من اللقاءوخوفه من أن تصده مي ويصاب بخيبة أمل وشكوك مي التي لاتنتهي بدأت بالإعجاب بكتاباته والكتابة عنها ورده بالتقريظ والثناء على أسلوبها
(حضرة الأديبة الفاضلة ،عزيزتي الآنسة مي ،ياصديقتي ،صغيرتي الحلوة ،المباركة ،المحبوبة مريم الحلوة ،ماري ،..وأخيرا محبوبتي العذبة )ومن الإمضاء المخلص جبران .
إلى تطورفي اللقب وتحوله للقرب أكثر ليبين تعلقه بها حتى صرح وترك التكتم وناداها أخيرا
(محبوبتي العذبة .)
كان جبران في بيئةغربية طابعها التحرر بينما مي يسكنها الشرق بكل تقاليده :
(إني أشعر شعورا شديدا بالقيود المقيدة للمرأة،القيود الدقيقة كنسيج العنكبوت والمتينة متانة أسلاك الذهب ) .
مي حملت إرثها من كل تلك القيود والحدود التي التزمتها وهي ابنة أسرة محافظة ،كبتت مشاعرها طويلا وخبأت رسائلها بجبران عن أسرتها ولم تظهرها إلا بعد وفاته بشهر .
فجعل علاقاتهامع عدد من مفكري عصرها لايتعد الصداقة رغم كل التحريف الذي ألحقه البعض بها بعد موتها .
لكن علق قلبها بحب جبران رأت فيه فارس أحلامها ،ومثلها الأعلى، وعقدت آمالها عليه ورفضت الزاوج رغم حبها للأسرة والأطفال وقرأت مرة عن ذلك أن البعض أرجع عدم زواجها لتبنيها فكرة الإخلاص لأدبها بعيدا عن مسؤوليات العائلة.
وقد رأينا انصراف بعض الأدباء لنفس الموقف في ذاك العصر وانقطعوا لرسالتهم الفكرية ومشوارهم الأدبي مثل ميخائيل نعيمة وجبران
ولكنهاوظلت وقتا طويلا تعاند قلبها وتأبي الاعتراف بهذه المشاعر
وكان من بين علاقات جبران العاطفية ماري هاسكل التي ساندته معنويا وماديا آثر وصوله نيويورك وأراد الزواج بها كرد للجميل وأراحه رفضها وماكان تعلقه بالمعلمة الفرنسية الجميلة الأخرى إلا مجرد نزوة .
وظل عازبا حتى رحل .
وظلت مي تتربع عرش فؤاده ،والعلاقة تتأرجح بين شدوجذب،توافق وسوء فهم،حب جامح وفتور.
خصام وعودة ...
.
(كان كلاهما يسعى لرؤيةذاته في روح الآخر )
أنت تحيين في وأنا أحيا فيك )
كان حبه لمي معادلا لحبه لوطنه ،حب مجرد أقرب لروح التصوف، ولما حاول التقرب خطوات وطلب بالتلميح صورتها، انقطعت عن مراسلته ،وكان في عرف المحبين الصمت واجب له العتاب وفي عرف جبران لا عتاب ولا مساءلة لمي (إن قلبي لا ولن يسمح بإيقافك أمام محكمة القضاء ).
كانت له الصديقة الملهمة بنقاشاتها وآرائهاوعنادها وتمردها وشخصيتها المتميزة وتبادلا الرسائل والبطاقات .
بعث لها جبران أول نسخة من كتابه الموكب وطلب رأيها ،وكان يتلقى منها رسائل فيها أعداد من مجلة المقتطف التي فيها مقالاتها .
أو يرسل لها قصاصات من كتابه المجنون ودمعة وابتسامة .
ويرسل لها بطاقات دعوة لحضور المعارض وكذلك صور لوحات لمايكل أنجلو وشافان الرسام الفرنسي وصورة القديسة آن لدافنشي
(تحقيق وتقديم سلمي الحفار ود. سهيل بشروني ،أدب رسائل
مؤسسة نوفل،284صفحة،الطبعة الثانية)
أحاديثما شملت الكثير من التساؤلات عن مدارس الفن والشعر ،حوارات مثقفة بين عقلين راقيين يحملان بذور التجديد ولايرضيهما شيً؛لأن طموحهما كان للمثالي العظيم في كل أمر ..
وكان يتمني لو اهتمت مي أكثر بكتابة مايعبر عن ذاتها .(هل أنت قانعة وسعيدة بمواهبك العظيمة ؟)
ظل جبران يتمثلها ويراسلها ويكتب لها بعفويةكأنه يحدث نفسه عن:
_ مشاريعه في الكتب
_ رسوماته وانشغاله الشديد بالعمل وإرهاقه
_ارتياده المكتبات والمعارض الفنية .
حبه للموسيقى والتماثيل وخاصة الكلدانية
_ مرضه واعتلال صحته وقلبه بسبب الإجهاد المضاعف وإهمال النوم والطعام .
_
كان يعيش حياتين حياة مع الناس يستثقلها لحبة للوحدة والتأمل والقراءة والنقاشات وحياة أخري مع قلمه ورسوماته وفلسفته بالوجود والحياة .
كان يبثها خواطره وتقلبات نفسه ويعجبه اهتمامها بكتاباته وصحته .
(عندما تسألين عن صحتي تتحول البنية إلى أم كلها حنان ).
كانت آخر رسالة وصلت مي هي البرقية التى احتوت على صورة الشعلة واليدعاد 1931 قبل عشرين يوما من وفاته ،كسرها رحيله كثيرا ورثته بأسى وظلت 10سنوات بعد رحيله تتجرع الشقاء والألم لم تجد مايواسيها لا القراءة ولا الكتابة وتوالى عليها الهم والكدر وساءت صحتها .ووقعت نهب لانهيار عصبي واكتئاب واقتيدت بغير إرادتها للعصفورية وأمضت بها ثلاث سنوات مابينها وبين مصحة د.ريبز .
وجد بين أوراقها كتابا بالإنجليزية يتضمن بعض أبحاثفي سير بعض أدباء العصر مع الصور
كتبت بخط يدها بجانب صورة جبران
(هذه مصيبتي منذ أعوام ).
كتاب جيد ممتع بمطالعته ،يستحق القراءة
نهى ✏

تعليقات