تحليلي كتاب غرفة تخص المرء وحده .فرجينيا وولف
فرجينيا وولف روائية إنجليزية من أيقونات الأدب الحديث في القرن العشرين ،وأول من استخدم تيار الوعي كطريقة بالسرد، كانت من الحركة الأدبية( مجموعة بلومزبري .)
وأشهر أعمال فرجينيا رواية :
(السيدة دالواي ،إلى المنارة،أورلاندو .....)
واشتهرت بالنقد الأدبي ولها كتاب (القارئ العادي ).
مُنيت بصراعات وانهيارات نفسيةمبكرة ، وهي في الثالثة عشر من عمرها ، عقب وفاة والدتها واستطاعت مع زوجها تأسيس مطبعة (هوجارت)
لكن استمرت الانهيارات النفسية والهواجس تلاحقها وشخصت على أنها
الاضطراب ثنائي القطب ،وظلت تعاني حتى توقفت عن الكتابةبعدعدم قدرتها على التركيزأوالنوم،وكتبت رسالة أخيرةمؤثرة :
(تودع زوجها ، و تخبره بخوفها من الجنون وأنها بالرغم من حبه ومحاولاته الكثيرة لإنقاذها ،لم تعد تستطيع احتمال مايحدث لها، ولا تريد أن تتسبب بإيذائه بوجودهاوبعد أن تمكن منها الهوس الاكتئابي ولاحقتها سماع الأصوات التي أزعجتها،فقرت الرحيل) وملأت جيوبها بالحجارة، واتجهت لنهر أوس(ouse) وغرقت ..
وكانت في عمر التاسعة والخمسين عاما .
بترجمة جيدة لسمية رمضان استطعت التعرف على بعض ملامح عالم فيرحينياوولف ، وتابعت حديثها وأحببت طريقتها في عرض مقالتها التي كتبتها استنادا لمحاضرات ألقتها في كلية نيوتهام وغيرتون وهما كليتان نسائيتان في كامبريدج .
وأعجبني اختيارها طرح موضوع (النساء والكتابة )
ودمجها الخيالي بالحقيقي في مكان مخترع ،ونساء تتوجه لهن بالكلام ،امرأة تتحدث عن نفسها وتنقل تجارب ومشاعر نساء أخريات .
(فرجينيا وولف ترجمة سمية رمضان، ،مكتبة مدبولي،206صفحة)
الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب :Aroom of one's own
(غرفة خاصة بامرأة)
استمتعت برصدها لتطور وضع النساء الكاتبات من القرن السادس عشر، حيث لم تعط حقها في الكتابة وكان هناك عداء صريح لكل ماتفعله وتحقير لقدرتهاوعدم توقع الخير منها .
ومثلت الإعاقات المجتمعية في حجبها عن التعليم والآراء الذكورية التي وصفتهابالضعف والدونية وتركت في نفسها ميراث من الخوف والإحباطات.
المتوالية في غياب الجمهور والتشجيع .كانت تعيسة منهكة بالأعباءمكبللة بالأعراف ،والسلطة الأبوية المهيمنة .
(الحياة تتطلب قدرا من القوة والشجاعة )
لكن نساء ذلك العهد لم يمتلكن الثقة الكافية بأحلامهن فرضين بالاختباء أو التنازل عن حقهن بالكتابة
في غياب وظيفةأو إرث يكفل لهن الحياة الكريمة .
لم تستطع المرأة حينها من تحرير ذهنها من كراهية الرجال المعوقين لها ،لم تتوقدبالإبداع في كتاباتها وظلت مؤطرة بنظرتها لرأي المجتمع .
(إذا أرادت المرأة الكتابة فيجب أن يكون لهاغرفة ودخل منتظم مهما كان ضئيلا ).
ذلك مقترح دعت له فرجينيا لينقذ وضع الكاتبات ويجدن الوقت الكاف للكتابة دون مقاطعة ويشعرن بالأمان والاكتفاء ،وقد سعت بنفسها للعمل بأكثر من وظيفة :
في الصحف.
القراءة لسيدات مسنات
صناعة الورود الاصطناعية
تعليم الأبجدية لأطفال الحضانة .
ولكن أكدت أن العيش على راتب قد لا يكون كافيا .
ثم أتاح لها حصولها على (تركة) ورثتها إراحتها من عناءالتفكير في نفقات المسكن والمأكل والملبس ولم تعد تضطر للذهاب للعمل.
تحررت من مخاوفها من كل تلك الأعباء بعد حصولها على التَركة .
تطرح الكاتبة تساؤلات بغاية الأهمية منها :
ماالذي يجعل الرجال غاضبون على النساء في حديثهم وكتاباتهم عنها؟
(كانت كتبامكتوبة على ضوء العاطفة الأحمر لا على ضوء الحقيقة الأبيض ) .
منهم من تجاهل الحديث عن النساء و وصفهن بقدرات عقلية بسيطة وانعدام الشخصية .كانواغير منصفين في أحكامهم .
هل هو حبهم للتملك والسطوة ،والحصول والقدرة على التحكم وإثبات التفوق على النساءوالحاجة لتمجيد الذات ليشعرون بالثقة ؟
القليل من الرجال بتلك الفترة كان موضوعيا منصفافي رأية عن النساء .
لماذا تعاني النساء الكاتبات من الفقر؟
وهل هناك حقا أزمة في تكافؤ الفرص بينها وبين الرجال ؟
واعتبرت الرجال نالوا الحظ الوفير بالعمل والحرية بعيدا عن تعقبات الناس بينما ظلت مراقبات فقيرات .
)
هؤلاء النساء في القرن السادس عشر المحجوبات س في حدائق منازلهم أو غرفه المعيشة أو يكتبن في الخفاء أو على استحياء مقيد لطموحاتهن ،قد وصل مع بعضهن لتبعثر ملكاتها_ على حد تعبير فرجينيا
ظهر دور بعض النساء في منتصف القرن الثامن عشر
نساء طليعيات كان منهن( إفراباهن) التي مات زوجها وكسبت عيشها بالكتابة ،ولم تقع تحت أي سلطات ذكورية أو وصاية (افعل أولا تفعل )فكسبت حرية ذهنها ووجدانها وقلمها أيضا .
(ظلت النساء قابعات داخل المنازل حتى كادت الحوائط تتشرب قواهن الإبداعية...إهدار تلك القوى أو إعاقتها يدعو للأسف آلاف المرات ).
ومع زخم الأحاديث والاجتماعات والترجمات وكتابة المقالات تغيرت الأحوال واختفى عدم تكافؤ الفرص بين النساء والرجال .
ومع بدايات القرن 19
(وجدت عدة أرفف موقوفة تماما على أعمال النساء).
جورج إليوت وإميلي برونتي وشارلوت برونتي وجين أوستن لم يعد يحجبهن شيًء،لكن لم يتمتعن بغرف مستقلة، ظلت حياتهن ككاتبات عرضة للتدخل والمقاطعة،وعدم تقدير ظروفهن كنساء مبدعات .
كانت تكتب جون أوستن في غرفة الجلوس المشتركة وخبأت مسوداتها ،ولكنها حاولت التوفيق ببن موهبتها وظروفها ،وتحررت من عداوة الرجال.
ظل بعضهن مقيدات عند التأليف، كأنهن في مجابهة نقد ما ،وحاولو ا التصالح مع أمور كقناعات وسلوكيات وأفكار مطروحة خارج الرواية نزولا على رأي الآخرين .
لكن انفردت جون أوستن وإميل برونتي حين كتبن كما تكتب النساء، لا كما يكتب الرجال بدون النظر والتفكير بجنسها كامرأة ولكنها تعي كونها امرأة .
(من المهم أن يكون الإنسان نفسه )
(استخدمت المرأة الكتابةبوصفهافناًلاوسيلةللتعبيرعن ذاتها )
أحببت حديثا لفرجينيا وولف عن
فكرة فصل الذات عن العالم :
التي بدت لي أشبه بالخلوات التي ندخلها ككاتبات أو قارئات .
وذكرت أن هذا الفصل يمكن أن يكون اعتياديا دون جهد لو مارسناه بشكل منتظم ،
ويمكن الوصل له عن طريق :
- العزل عن المحيط وذلك له جهد وبحاحة للممارسة
بتحويلة لعادة ونوع من التجربة الروحانية مع الكتابة .
- التوحد بالمكان
- التفكير بالزمن عبر الآباء
_التركيز ،وعدم الانصياع للمشتتات مهما كانت وتجاهلها.
وقد حصلت النساء في القرن 19 على الكثير من الحقوق، التي كفلت لهن التملك والتعليم والتصويت وأصبحت المهن متاحة أيضا .
وفي النهاية أرادتفرجينيا عمل الديباجة الاعتيادية لخاتمة الكتاب فحثت النساء على الاهتمام بعوائلهن والإنجاب ويكفي طفلين ليجدن الوقت للكتابة والقراءة والتأمل والسفر والراحة .
ثم تحللت قليلا من تلك الديباجة الخطابية المعهودة لتوجه عددا من النصائح أهمها :
-أن يبحثن عن غرفة تخصهن .
- أن يكتبن في كل المجالات ويقرأن
(القراءة تقوم بصياغة عجيبة للحواس )
- أن يمتلكن مايكفي من المال ليرتحلن ويستمتعن بشراء وقت للفراغ ؛ليتأملن المستقبل ويحلمن..
وكل ذلك يُحسِن الفن القصصي .
كتاب مفيد وممتع في آن واحد، قدتماس مع قضايا تهم الكاتبات والكتابة بكل زمان ،وتحدثت فيه الكاتبة بأسلوب جميل ورصد دقيق ،منطلقة من تجربتها وأزمتها وقدمت نساء عديدات روائيات شكلت بصمات واضحة ، في سعيهن لتحقيق ذواتهن الكاتبة .
ومازالت بعض الكاتبات وخاصة الأمهات يبحثن عن هذه الخصوصية والاستقلالية وأولها الحصول على غرفة خاصة وانعزال مع القلم والأوراق والكتب ،دون أية تدخلات أو مقاطعات من أي نوع .
حتى يُتاح للمرأة أن تقرأ وتكتب في هدوء وتتوقد وتضيء كنجمة متجددة ، وتستمر بدون إرهاق واستنزاف لقواها الإبداعية، ودون ضغوط جسدية ونفسية ومن غير تشتيت وبلا أثقال .
لعله حلم جماعي تتشارك فيه معظم الكاتبات وقد حققته بعضهن ،ومازالت الأخريات على الطريق لتحقيق ذلك وأتمنى لهن التوفيق .
والحصول على الخصوصية ، والثقة بالذات أكثر لتتمكن من التعبير عن هوياتهن ككاتبات وتعي كل واحدة حجم التحديات لتتجهز بمزيد من الصبر والمثابرة والاجتهاد والثقافة والتعلم والتحرر من كل ماهو سلبي لتستكمل طريقها نحو ماأحبت ممسكة القلم بيدها تغمسه في مداد روحها وتكتب وتتجاوز في كل مرة نفسها لتصنع الأجمل ..
طريق الكتابة لم يكن يوما معبدا باللافاندر والجوري وخاصةبالنسبةللنساء مع تعددالمشاغل والمسؤوليات .
أحببت أسلوبها في الطرح ، وحصلت على كتابها الآخر (جيوب مثقلة بالحجارة) ،ووضعته بالقرب على مكتبي على أمل العودة لقراءته في وقت لاحق
غرفة تخص المرء وحده كتاب استحق القراءة بطرحه، وكل تساؤلاته المهمةالتي شغلت حيزا من تفكيري وتأملاتي .
نهى✏

تعليقات