تحليلي كتاب الأيام د.طه حسين
أعلم أن د.طه حسين قد شغل العديد من الباحثين والقراء وكتب عن مؤلفاته الكثيرون ، وحولت بعضها لأفلام سينيمائية أو مسلسلات تلفازية .
لكن أحببت أن أقدم رؤيتي التي قد لاتضيف المزيد عن عميد الأدب العربي، ولكنها قد تعطي ملمح من أثر طه حسين في قرائه وأنا واحدة منهم .
حكايتي مع العميد تبدأ مع( شجرةالبؤس)لمااستعرتها من مكتبة الكلية وطالعتهاوكتبت عليها أول مراجعة
لكتاب ؛لأنني اعتدت قبلها قراءة الكتب والاكتفاء بتعليقات قصيرةأدونها في دفتريوبعض الاقتباسات .
وأثني على التحليل أستاذي في النقدالأدبي وشجعني على قراءةوكتابة المزيد.
قبلها قُرر علينا في المرحلة الثانوية كتاب( الشيخان)
لم أنتظر حتى ننهيه بالحصص مع المعلم بل قرأته في يومين .
لكن بالنسبة لكتاب( في الشعر الجاهلي) كان مثارالجدل والنقاش في الأوساط الأدبية،سعدت بقراءته ودراسته ضمن منهج العام بقسم اللغة العربية على مدى طويل نسبيا .
وعندما كنت أشد الرحال لمدينتي في آخر كل أسبوع كنت أستمتع بمشاهدة بعض المسلسلات المأخوذة ،عن مؤلفاته
شاهدت فيلم ( دعاء الكروان) ومسلسل (أديب) ومسلسل (الأيام) وتقمصت الشخصيات وعشت الأحداث بتفاصيلها وتابعتها باهتمام ،وإن كان التغيير بالنص الكتابي وتحويله لسيناريو ثم للغة تصويرية بالسينما لم يكن بمتعة قراءة الكتاب نفسه،القراءة مساحة الخيال بها أرحب ليس هناك حدود له.
د.طه حسين من مواليد محافظة المنيا -محافظتي العزيزة ، وكان معلما وناقدا وأديبا مصريا و صاحب فكر مستنير ودعا لنهضة أدبية .
كما أجاد الفرنسية واللاتينية ،وتزوج سوزان بريسو الفرنسية السويسرية .
نال الكثير من الجوائز والأوسمة، وظفر بقلادة النيل ورئاسة مُجمع اللغة العربية، ومُنح الدكتوراة الفخرية من مدريد وكرُم من قبل منظمة اليونيسكو وكان ينادي بمجانية التعليم وعندما صار وزيرا للتربية والتعليم بمصر أحدث تطورا ملحوظا .
الأيام :
أحببت مقدمة حسن الزيات الذي وصف العميد بأنه (الرائد القائدوالعالم الجليل وأبرز كتاب جريدةالأهرام)
ويكون صدور الكتاب بطبعته بمجلد واحد تخليدا لذكري د.طه حسين المئوية .
الأيام سيرة ذاتية كتبها طه حسين ورصد فيها محنته وومعاناته ،وجعلها كذلك تسلية لأصدقائه من المكفوفين .
ويرصد كيف كانت علته سببا في اعتزاله الناس بعد سخريتهم منه و إشفاقهم عليه؛ فترك مجالسهم وحرم على نفسه بعض الأطعمة والمجالس وفضل الاختلاء بنفسه وتأثر كثيرا بأبي العلاء المعري في ذلك وفي فلسفته وعزلته .
وكان طه حسين يسلط الضوء على مراحل حياته مستخدما ضمير الغائب ومشيرا لنفسه ب (الصبي).
حكي عن وطفولنه والشاعر الراوي الذي تسَمَع صوته من خلف سياج القصب وتعلق قلبه من يومها بالقصص وسير الأبطال كعنترة .
وظل يناوش شيخه في كتاب القرية وتمتع باسلوب ساخر، واستطاع نقل لنا جوانب من طبيعة الحياة الريفية البسيطة ،وتحكم الفقر والجهل والمرض بها وتملك الدجل والاعتقاد بالخرافات بين العامة .
ثم انتقل للأزهر وظل ينتقد المناهج ويناقش شيوخه حتى دخل الجامعة الأهلية واستمر في طريقه مثابرا حتى طمح لإكمال دراسته العليا وجد واجتهد حتى حصل على الدكتوراةثم سافر لموبليه بفرنسا وحصل على دكتوراة من جامعة السربون ويعود ليندرج في المجال العملي في الجامعة والتأليف .
يعد طه حسين من أعمدة التنوير وظل بقلمه يضرب نموذجاللمثقف الباحث المدقق الذي يسعي لاستكشاف النصوص ،وفهمها بشكل مختلف عن سابقيه .
(سيرة ذاتية،د.طه حسين ،مؤسسة الأهرام للنشر ،581صفحة )
واعتبر قدوة تحتذى لأجيال عاصرته وأخري قرأت ودرست مؤلفاته .
قد لا أجد في الأيام التشويق الذي أطمح إليه في السيرة وقد يتفق مع البعض أو يختلفون .
لكن قد افتقدت تواتر الأحداث بسبب لغة طه حسين الذي ظل يلاحقني بتكرار الجمل وجماليات اللغة والبلاغة والتأكيد والاستطراد واعتماد الكثير على الأوصاف السمعية واللمسية .
والتعليقات الكثيرة التي بدت خارج السياق ،وتشتت انتباه القارئ بعيدا عن الحكي السيري .
لكنني لن أحاكم (الأيام) بمقاييس عصرنا ولكن لو أردنا الحيادية بتحليل الكتاب ؛ سنلجأ حتما لقراءته في ضوء ظروف كتابته حينها وتقاليد الكتابة، ونمط د.طه حسين وتفرد أسلوبهالخاص الذي أثرت فيه علته، بكونه لايكتب بل يُملي مؤلفاته على كاتب ،فدفعا لخوفه من النسيان يميل للتكرار والتوكيد والتفصيل والإجمال ..
لكن قيمة (الأيام) ليست فقط في كونها سيرة لأديب وناقدمصري وعلم من أعلام الفكر والأدب بمصر
بل بقدرتها على النقد الذاتي للعصر والنفس وإبراز الأخطاء والعيوب وكشفها .
قد يعتبره البعض جرأة، ولكن اعتبر طه حسين وفق في نقل صورة حية لبيئته ومجتمعه بكل أطيافه ورصد لنا رحلته الطويلة وإن كان مبالغا في الوصف أحيانا .
قد يكون قد قسى على نفسه قليلا وأفسح المجال لانتقاد كل ماهو سلبي في قناعات الناس ومناهج التعليم ولكنه لم يعطِ للنجاحات القدر الكافي والمساحة في الأيام لينعم بالاحتفال، ويشارك قراءه ومريديه سعادته بهذه الإنجازات .
سلاما ومغفرة لروحه ،كم كان معلما بكلماته وبمؤلفاته وبسيرته التي قدمت نموذج الصبر والمثابرة على التعلم والدراسة والاجتهاد لتحقيق الآمال الكبيرة مهما كانت التحديات .
نهى ✏

تعليقات