تحليلي رواية طشاري إنعام كجه جي


إنعام كجة جي روائية وصحفية وإعلامية عراقية نالت الدكتوراة من فرنا  ،عملت مراسلة في باريس لجريدة الشرق الأوسط ومجلة كل الأسرة في الشارقة
من رواياتها :
سواقي القلوب
الحفيدة الأمريكية التي ترجمتو دخلت القائمةالقصيرة للبوكر 2009
طشاري :التي دخلت أيضا القائمة القصير2014
النبيذة التي كانت ضمن القائمة القصيرة لهذا العام 2019 .....

طشاري رواية تحكي التشتت والشعور بالاغتراب ،يلخصها العنوان الذي جاء كمفردة من اللهجة  المحلية العراقية والذي تعرفنا على معناه من خلال حديثها مع ابنه أخيها سليمان التي ستكتب ديوانا يحمل هذا الاسم الذي يشير للتشظي
 طشاري هي طلقة بندقية الصيد تتوزع بكل الأنحاء




             
      (رواية،أدب عراقي ،دار الجديد للنشر ،257صفحة ،بوكر 2014)

الرواية متشعبة التفاصيل وتنتقل عبر أماكن متعددة من الموصل للديوانية لكندا وفرنسا
ل؛تقدم لنا نماذج بشرية عانت بسبب هذا التشظي وجاهدت لتبقى رغم قسوة الظروف ومعوقات التطور الذي يغير المصائر .

البداية :
تختار الراوي البدايةبالعكس من النهاية لتقدم لنا د.وردية على كرسيها المتحرك بقصرالإليزيه وهي في الثمانين من عمرها ، جالسة في الصف الأول وممثلة لعدد من المهاجرين العراقيين بفرنسا وقوبلت بالاحتفاء .

ثم يعود الزمن للوراء لنتعرف على وردية الشخصية الرئيسية بالقصة الطبيبة ابنة القرية التي اختارت اغترابا إراديا للديوانية من أجل ظروف المهنة لتشق طريقها هناك..

 وتمتهر التوليد مع ضعف الإمكانات وتفشي المفاهيم المغلوطة، ونظرة الرجال المستهينة بأمرأته الحامل الذي يفضل استقبال مولود على بقائها حية؛ لأنها ببساطة من وجه نظرة قابلة للاستعادة بالزواج من أخرى .

نجد انتشار للرواة النساء وحضور قليل للشخصيات الرجالية _إن صح التعبير._

فنتعرف على سليمان أخيها الذي درس القانون وكان مصدر فخر للعائلة كلها ؛باعتزازه بلغته الفخمة فيذهب ليطلب بحق  د.وردية بإجازة لتنعم بشهر  العسل وينجح .٠

وزوجها جرجس زميلها الذي اختارته وعادت الموصل من أجله  تدهور صحته ويرحل مخلفا في قلبها حسرة تضاف لسلسلة أحزانها:
(لكن دموعها صارت زجاجا ،لم تبك جرجس  وسليمان ..أرادت أن تنوح على البلد كله وتحجرت عيناها )

لازمها الحنين وهي بفرنسا  لمواطن الذكري  وشكل البيوت وعادات الناس وظلت رسائلها لابنتها هندة المقيمة بين ترنتو وماننتونيابمثابة  تفريغ طاقة الحنين تلك .داخلها للوطن البعيد المتجذر في عمق نفسها الذي تتشبث به في لغتها ومفرداتها المحلية وفي حكاياتها من صندوق الذكريات لابنتها ولحفيدها .

ووفقت الراوية باستخدام هذه الحيلة الروائية لتعطي طرفا من المعرفة عن العلاقة بين الابنة المحبة والوالدة المشتاقة وأمل بلم شمل للعائلة .

ويبدو أن هندة ولدت لتعيش قصة تشبه قصة والدتها في الأرياف  ،فتظل مجهدة في منطقةنائية تعاني من ظروف الطقس البارد ،تحاول الاندماج مع المجتمع الجديد من الهنود السكان الأصليين في سفر متواصل لمدة 7ساعات  بين عائلتها ومكان عملها .

لكنهااعتادت ذلك فتعلمت ركوب الجيب ووحدت من يساعدها  ،وكسبت شهرة بسبب  قلبها الطيب وأسلوبها المقنع واحترمها الجمبع .

واسكندر الحفيد
الذي مثل الجيل الذي تباينت ميوله واهتماماته عن الآباء
الذي شعر بمجرد وصول الجدة وردية  وحكاياتها بغربته عن هويته العراقيةباعتباره ابن البيئة الجديدة  وبعده عن موطن أهله وعاداته وتقاليده الذي بدأيسمعها في حكايتها ؛فانصر٥ عن اللهو والأغاني الأجنبية ،واندمج في عالم وردية ليتشرب كل كلامها والكثيرعن الموروث والتقاليد بالموصل وتفاصيل الحياة هناك .

 اراد  عمل مقبرة إلكترونيةونقذ الفكرة بعمل موقع على الإنترنت لتجميع أسماء الراحلين من الأسرة الكبيرة  ، مقبرة لكل شخص ، ويهتم بتنظيم شجرة العائلة مع إرفاقها بموسيقى مناسبة .

لكن ودية لم يعجبها الأمر (لن تكون هذه المقبرة الافتراضية سوى وهم جديد )
العمة الحكيمة بعد سنوات التشظي لا تؤمن بفكرة المقبرة وتري الدنيا مجرد لعبة كبيرة مليئة بالمفاجئات
وهذا التوحد الذي استحال في الواقع لن تصنعه هذه المقبرة .

من أجمل الصور التي وصفت شعورها بالشتات والحنين لأبنائها وصفها ابتعادهم عنها بسكين الجزار الذي مزق قلبها ونثرأجزائه  في كل البلاد كندا وجزيرة بعيدة في االبحر بالكاريبي ودبي ...)
.
وإن كان اغترابها للديوانية اختياريا  للعمل وإثبات ذاتها كطبيبة دفعها للتحمل فوق طاقتها ومحاولة أن تتقرب من النساء لتقدم له يد العون .

كان سفرها لفرنسا إجباريا بسبب ظروف التغييرات الطارئة ، هاجرت وحلت ضيفة  على ابنة أخيها سليمان
الشاعرة التي ستكتب فيما بعد عن قصة هذه العمة وكل ذكرياتها .
ويشبه هذا السفر الإضطراري مافعلته ابنتها ياسمين بالموافقة على الزواج من قريب لم تره الا مرة في الزمن البعيد، وتترك وظيفتها وتسافر له طلبا للاستقرار نزولا على رأي أخيها سليمان..

كان الابتعاد رغم مايحمله على النفس من قسوة ومحاولةجاهدة للتكيف مع المجتمع الجديد  والاندماج فيه ، يحمل قدرا من الهدوء والشعور بالأمان والتمتع ببعض الحقوق للعيش برفاهية .
رواية بقدر ماتحمل من هموم إنسانية تكبل روح الشخصيات وتجعلها حتى لو شعرت بااسعادة في مواطنها الجديدة ولكنها تشعر بغصة البعد والحنين للمكان بكل ثرائه وأهله .
( تواظب على سقي شجرة الصنوبر حتى لو كانتتربة المعجر عصية على إنباتها )
حتى هنده ابنتها رغم سعادتها أخيرا ونجاحها بكندا لكن ظلت هناك (ثمة مرارة ماتحت اللسان ).
طشاري رواية تمجد التلاحم الجميل بين الأديان والطوائف رغم صعوبات الانسلاخ من البيئة الأم إلى موطن ثانٍ.
ترصد بالتواز قصة تلك  الشخصيات التي تصارع وتواجه الإحباط والخوف
ترصدها بالتواز مع قصهاعن تطور الأوضاع وسيرورة الزمن بينما تكرس فكرة العطاء غير المشروط والتفاني  على طول الخط من أجل دوافع إنسانية نبيلة وإخلاص حقيقي .
مثلته د. ودرية في بلدتها الصغيرة وفي الديوانية ومثلته هنده في كندا.
رواية رغم تشعبها وتفاصبلها الكثيرة إلا أنا استحقت القراءة ونتمنى لرواية النبيذة للكاتبة طشاري أن تنال حظا موفقا .
نهى




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليلي رواية (موت صغير )محمد حسن علوان

تحليلي رواية غراميات شارع الأعشى

تحليلي كتاب جبلنا الجليد يذوب .جون كوتر