تحليلي قصة رحلة الطيور إلى جبل قاف
هدي الشوا قدومي تحمل بكالوريوس في الاقتصاد وماجستير في تعليم اللغة الإنجليزية من كلية
نيو جرسي وتتابع دراستها لنيل شهادةفي الأدب المقارن ومن مؤلفاتها :
دعوي الحيوان عند مللك الجان
الرجل الأصفر
كاشف الأسرار
رحلة فيل .
لها شركة (طاقة للإنتاج )تعمل على المشاريع الثقافيةوقامت بإنتاج أوبريت إخناتون ،ولها فيلم وثائقي قصير بعنوان (غرفتي الوردية ).
وتحضر لتقديم مسرح عرائس الظل بعنوان هدية .
قصة (رحلة الطيور إلى جبل قاف)
استلهمتها المؤلفة من المنظومة الشعرية (منطق الطير) للشاعرفريد الدين العطار
الذي تتحدثث فيه الطيور بالحكمة وتتشابه مع قصص الحيوان الرمزي في كليلة ودمنة لابن المقفع وحي بن يقظان لابن طفيل .
واستخدمت قالب المقامةالقالب النثري المعروف الذي تميز بالسجع.
لا يمكن أن ننسى جمال اللوحات التي عرضت في القصة، 16 لوحة مستوحاة من شكل البلاطات الجدارية المستخدمة في الفن الإسلامي .
الفنانة فانيساجكاينسون تحمل بكالوريوس في تاريخ الفن من جامعة كامبريج وشهادة الماجستير من مدرسة الأمير للفنون التقليدية ،وحازت 2013 على منحة لدراسةاللغة العربية النموذجية في جامعة الكويت ،وبدأت تختبر تجربة العيش في الشرق الأوسط.
تحاول فانيسا في لوحاتها المعروضة بتلكتاب محاكاة التقنيات الصناعية التقليدية في الزخرفة الإسلامية باختيارها ألوان الفيروزي والأخضر في الطيور والزخارف النباتية .
جهد جميل من الفنانة ومحاولتها التميز بلوحاتها يحمد للمؤلفةحماسها و الهاجس التربوي ااذي سكنها وشغفت بالكتابة للناشئة والأطفال وقد ذكرت في حديث لها بجريدة البيان مارس 2015:
( يجب أن تكون القصص والروايات جزءاأساسيا من المناهج الدراسية ،وأكدت على أن جائزة الشيخ زايد للكتاب كان لها الأثر في تشجيع المؤلفين والناشرين لخوض هذا الحقل الذي عاني من التهميش طويلا
...في عالم تهيمن عليه الصورة والتكنولوجيا وسعيا لتشكل القراءة حاجة يومية مُلِحة ..).
(هدى قدومي،قصة للأطفال ،دار الساقي،جائزة الشيخ زايد، 39ص)
أغبطها على هذا الحماس وأتمنى لها المزيد من الإنجازات والإصدارات .
القصة تحكي عن تجمع للطيور في بستان يدبرون شئونهم، ويستمعون لكلام الهدهد باعتبار مكانته فهو دليل سليمان الحكيم' ويحاول الهدهد أن يخبرهم عن العتقاءالذي يصلح أن يكون قائدهم .
يذكر أنه أثناء تجواله في البراري والآفاق والقفار ورحلاته لبلاد السند والصين ... سمعهم يتداولون سيرة طير حكيم اسمه العنقاء ومن صفاته ضخامة الجسم ويعيش في جبل قاف خلف البحارفي بلاد سمرقند وطلب منهم الرحيل لتلك البلاد لمقابلة العنقاء .
لكنهم قالوا (من منا يريد أن يهجر هذه البلاد الجميلة، إلى بلاد نائية بعيدة ،فنحن هنا مسرورون ،وبأوضاعنا راضون )
وحاول كل منهم أن يختلق الأعذار للبقاء وظل الهدهد يرد على كل أعذارهم حتى يقنعه بمرافقته في الرحلة لجبل قاف .
وعلى مدار القصة سيعرض لعذر كل طائر وملحقا بجواب الهدهد المقنع، ومتضمنا الحكم المؤيدة لحديثه .
نتعرف على أعذار (الطاووس ،البلبل،الببغاء،
البطة،الحجلة،الصقر،البومة..)
ويحاول تقديم الأجوبة للرد على أعذارهم المختلقة ليعلمهم دروسا في نبذ الغرور والتكبر والتعلق والتشاؤم و محاولة نبذ الصفات الذميمة والتحلي بكل الصفات الحسنة .
سأعرض قصة اثنين من الطيور وأعذارهما وجواب الهدهد الحكيم،حتى لانفسد متعة التشويق على القراء الأعزاء بذكرنا كل القصص ولأن المقام والوقت لن يتسع لذكرها كلها هنا لما في ذلك من التطويل..
1-البلبل الولهان :
تعلقهُ بالوردة الحمراء ،كاتمة أسراره
جواب الهدهد :
(لكن كل وردة مصيرها الذبول
جمالها يأفل لايدوم
ألم تر بين وريقاتها المخملية الأشواك
تخل عن الوردة حبها فتاك
واترك وردة الصباح
فإن حبها مقرون بالألم والجراح )
واضح النص يحاكي شكل المقامة أحد فنون النثرالعربي المعروف في الأدب العربي الذي كان من رواده بديع الزمان الهمذاني ومالت للتأنق اللفظي واستخدام المحسنات كالسجع والطباق وغيرها وكانت تأتي على لسان راوية في مجلس وتحتوي على عقدة ..
نرى المؤلفة تحاول أن تستخدم الجمل القصيرة والسجع وهو اتفاق الكلمات في الجزء الأخير منها(فتاك،أشواك ،الصباح الجراح ) ولكته ليس التزاما كاملا وإلا تحول النص النثري إلى شعر .
وهذا السجع يعطي جرسا هامسا محببا وموسيقا في النص قد تكون جاذبة أثناء القراءة للناشئة .
ووفقت بمحاكاة شكل المقامة في نصوص هذه القصة
كما تستلهم طريقة قصص حكايات كليلة ودمنه وإظهارها الطير الناطق الراوي للقصص والعبر وكذلك
وصف الهدهد الذي استقته من الوصف القرآني للهدهد الحكيم_رسول النبي سليمان الكري الذي جاءه بالخبر اليقين عن ملكة سبأ .
يتضمن النص عبرا ودروسا كعادة هذا النمط من الحكي على لسان الطيور .
2-الببغاء المدلل :
الذي يحب قفصه الذهبي وطوقه حول عنقه ويرى كل شيء متوفر فأمامه الماء والطعام حياة رغدة من وجة نظرة
جواب الهدهد:
(هذا الطوق الذهبي حول عنقك
لأحلامك وحريتك مقيد
ومن عاش في فضاء رحب وهواء طلق
لايقبل بالطوق
مهما غلا حول العنق
فلاتكن طيرا مغفلا
ولا ترض بالحرية بدلا)
وهنا يوضح للببغاء خطأ مفهومه عن الحياة الرغدة الجميلة التي وجدها في القفص، ويصحح له بلكنة قوية محفزة(لاترض غير الحرية بدلا)
أن الحياةالحلوة تتحقق في الفضاء المتسع متمتعا بكل حريته في التحليق .
وبعد الحديث عن أعذار الطيور وجوابات الهدهد الحكيم المقنعة توافق الطيور على مرافقته الرحلة إلى جبل قاف .
ويشرح لنا كيف تطور الوضع من الطيور من تعب ورجع وبعضهم هلك
(وبعضها التهمتها الأفاعي والحيتان
غو افترستها مردة وتنانين وغيلان )
والكثير منهم مات لأسباب متباينة بعضها منطقي والآخر من نسج الخيال على عادة هذا القصص الذي يميل للمبالغات التصويرية التي تذكر المردة والغيلان
والتي تذكرنا بحكايات ألف ليلة وليلة .
ثلاثون طيرا فقط هي التي صمدت ووصلواإلى جبل قاف ،ولم يجدوا شيئا بعد البحث في كل مكان عن العنقاء فاتهموا الهدهد بخداعهم :
(هل كلامك ياهدهد أسطورة ؟
أضغاث أحلام أو قصة مسحورة ؟)
ولكن في القسم الذي عنون (اليقظة )
رويدا رويدا يتكشف لكل طائر الحقيقة ويتعرف على نفسه من جديد ،لم يعد البلبل يشتاق وردته المحبوبة وأحب الببغاء حرية الطيران وأنست البومة لصداقة الغرباء .
اختتمت القصة بحكمة للهدهد:
(إنما الكنز الدفين هو فضائل داخل النفس دفينة
وبرحلة صعبة صعبة في داخل نفوسهم
انكشفت هذه الجواهر الثمينة)
وأعقبت المؤلفة هذه الخاتمة للقصة .بتذييل توضح فيه بعض الشرح عن القصة ،وكيف استلهمتها من المنظومة الشعريةلفريد الدين العطار التي حكى قصصا على لسان الطير وكمنت فيها جمال القصة الصوفية في عرض فلسفة أخلاقية .
وهذه الإضافة الأخيرة من المؤلفة مفيدة وموضحة وإثرائية لتسعد الطفل على الفهم أكثر لمضمون القصة .
بالمجمل جهد جيد للمؤلفة في عرض الفكرة واختيار قالب المقامة ومحاولة محاكاته وأغبطها على قدرتها في تبسيط المعاني الفلسفية التي قد تكون عصية على الفهم ،وتقترب من الرحلات الصوفية التي يسعى فيها المريد من مقامات وفي رحلة طويلة في القفار ليصل إلى مقام الوصول.
ويتخلص من كل التعلق بالدنيا الفانية ليخلص روحه لله ويذوب في معيته ويتحقق له السعادة المنشودة ويري النور ليكتشف نفسه ومعان أخري لا يصل إليها إلى من خاض تجربته وعلى رأي الصوفية (من ذاق عرف ) .
بالرغم من جمال الفكرة وظهور الحافز لوضع العبرة والحكمة والدروس الأخلاقية في النص بشكل تربوي غير مباشر مررته بنعومة في قالب القصة الخيالية الجذابة ؛ لتتناسب مع الأطفال.
لكن المحتوي قد يتضمن بعض الجمل والحكم الصعبة التي قد لا تصل للطفل بمجرد قراءتها أو حكيها على لسان طائر لأنها غامضة قليلا .
قد لاحظت ذلك حين قرأتها، والقارئ البالغ قد يمتلك بعض الخلفيات القارئة عن هذه القصة وربما قد اطلع على شكل المقامة وبعض القصص التراثي فيسهل عليه فهم هذه القصة وربما التمتع بمطالعتها .
حين رشحت القصة لولدي قرأها ثم أثني على صورها وقصتها لكنه أخبرني بعدم فهم بعض ماجاء فيها .
فجلست جواره لأشاركه القراءة وأفسر له بعض ماتعصي عليه فهمه ،مشيرة عليه أن يقرأ فيما بعدبعضا من قصص كليلة ودمنة المبسطة للأطفال من مكتبته المنزلية وبعض من ألف ليلة وليلة النسخة المختارة للناشئة .
اقترح قراءة القصة للطفل مع مرافقة الوالدة أو الوالد ؛ليقوم بالتوضيح والمشاركة مع الصغار وذلك يقوي أواصر الود بين الطفل ووالديه وتعزز ثقته بنفسه وتشجعه على القراءة أكثر .
أسجل إعجابي بجهد الكاتبة هدي الشوا القدومي كتاب مفيد في قالب جميل واستحق جائزة الشيخ زايد للكتاب وأتمني لها التوفيق بكل إصداراتها القادمة ومشاريعها الطموحة المعنية بالناشئة ،تذكرت الشاعر أحمد شوقي و استلهامه لعض قصص كليلة ودمنة وتقديمه شعرا .
تتضمن دروسا على لسان الطير في لغة سهلة
وتبسيط للمعاني .
كذلك اجتهد بعض الكتاب من بعده وحتى الآن في التأليف واستكشاف مثل هذه النصوص ومحاولة تقديمها بقالب مبسط ، و مازال قصصنا التراثي كنز بحاجة للاستكشاف من قبل كتاب الطفل لاستلهامه
في كتابتهم .
رحلة إلى جبل قاف أرشح بقراءته للناشئة برفقة الوالدة أو الوالد لمزيد من المتعة والإفادة
نهى
.

تعليقات