قراءتي( اختراع العزلة )بول أوستر


قراءتي :
كتاب اختراع  العزلة  
ترجمة جيدة لأحمد العلي الشاعر والمترجم السعودي
الذي يأسره نص بول ويصفه قائلا :
(الحالة الشعرية في هذا النص تأتي من عمقه من الارض التي يحاول قطار السردأن  يقطعها ).
أظنها تجربة منتجة وممتعة بالنسبة لشاعر  مع ترجمة أدبية لنص ثري مثل هذا النص
 
(اختراع العزلة )للمؤلف بول اوستر شاعر ومخرج أمريكي سكن باريس، واختلط بدوائرها الادبية ونشر قصائدومقالات و ونال العديد من الجوائز منها  :
(جائزة جون ويليام للتميز الادبي ،ووسام الآداب والفنون ...)
من أعماله (رحلات في حجرة الكتابة ،وثلاثية نيويورك وليلة التنبؤ )و15رواية أخري ..
اعتبرسيد الرواية الحديثة وحقق شهرة واسعة وترجمت العديد من أعماله .
 هذه المذكرات ليست مجرد مذكرات عادية ،لكنها تامل في طبيعة الذات والآخر، ومفارقات الوجود والخسارة والفقد .
يقع الكتاب في170صفحة ،ويقُدِمَ بول نصه الباذخ بأسلوب شاعري،  يهتم  بالتصوير ،والإلتفاتات البليغة للتفاصيل ،يستخدم الحكي بضمير الغائب عن والده الملغز الذي فاجأه رحيلة الغير متوقع بالنسبةله وللجميع .
(لعل  الابن يعثر على معناه، ويرتطم في حديد تجربته ومأزق وجوده ، ويعيد سيرة الأب على نحو مقلوب ليكون الاثنان صدي الجذر والثمرة ) 
كما يشير  عبدالله السفر في المقدمة .
ويتحول الشاعر بول صدفة إثر فجيعته بفراق الوالد إلى كتابة النثر، ويقرر أن يشكل بكتابته هذهالمذكرات
حضورا يحافظ على أثر هذا الوالد الذي ظل مثل رجل  غير مرئي للآخرين، يتخفي ويجيد الكذب والتلاعب
وعاش بوجهين:
_وجه يتبدى  فيه لعائلته بالرجل الصلب المحايد الذي لايثيرشغفه شيء، ولايهتم لاحد أو حدث  ،ولا حتى إلى ميلاد ابنه بول ولا حتى حفيده دانيال .
كانه يفتقر للمشاعر ،ولايلائمه تلك الحياةالمنظمة المسؤولة  ولا الزواج حتى رغم قيامه بكل واجباته
لكنه ظل غريبا عنهم .
وتفاقم ذلك بعد انفصاله عن زوجته .فتمادى في اهمال منزله وصار مرتعا للفوضي والتكدس
(صار المنزل رثاً،والتجول فيه يبعث على الأسى تشعر وكأنك تتجول في بيت رجل مصاب بالعمي )
_ووجه  آخر  :
المراوغ والمحب للتسلية ،والمبتهج ودنجوان الفتيات الماهر في حبك الأكاذيب؛ لإيقاع النساء في حبال غرامه .
وتتضح تلك المفارقة بين الوجهين عندما مات وكان الجميع يظن أن له صديقة واحدة وكانا على مشارف الزواج بها، لكن اكتشفوا وجود العديد من الصديقات كل واحدة تروي قصة مغايرة عنه .
طبيعة عجيبة لشخصية الأب ،تجيد الاختباء وتخترع العزلة؛ لتحجب نفسها عن ولدها وعن زوجته حتى صارت حياتهما باهتة وأفعالهما مصطنعة.
وظهرت صورهما عند شلالات نياجرا في شهر العسل محض كذبة وتقليد ممل لنصائح المصورالفنان .
لدرجة تفكر زوجته بالانفصال، وتقنعها والدتها بالتعقل وياتي حملها ببول ليمنعها ويؤجل قرار الطلاق
وظلت تغدق علي ولدها  حبها وحنانها متعللة بظروفه واعتلال صحته حتى كبر وعندا فاض الكيل و لم تحتمل قررت التخلي عن تلك الحياة والطلاق والشوع في حياة أخري  وزواج جديد .
يصف المؤلف ببلاغة هذا الاب :
(بقى خافيا ،صانع عرائس يحرك خيوط أناه الاخرى من الظلام ومن مكان منزوٍ خلف الستارة )

                  
رواية مترجمة ،دار أثر للنشر  ،مكتبة جرير   170 صفخة 

(عزلة لم يكن معناها التخفي بل التخلي ..)
ويبدوأن بول الابن لم يجد الوقت ولا المساحة الكافية؛ ليفهم هذا الوالد الغريب كلما اقترب منه ابتعد وعاش خيبات امل كثيرة تجاه والده منها مغادرته المبارة قبل انتهائها رغما من حب ولده للمباريات وتشجيع جده عليها .
.
وحاول الابن مرات أن يلفت انتباه وإعجاب أبيه وتمنى  أن يحظى بحضنه .
ولكنه قليلا ماحصل على ذلك مرات نادرة  حظى باهتمام  مبتسر ،وعلى عجالة، مثل سرد الوالد قصة لابنه عن مغامراته في التعدين ،ووجد بول في تلك القصة التسلية واستمتع بلغتة والده السردية .
(كانت لغته مزهرة وملفتة، ربما كانت صدي للكتب التي قراها في صباه،فأسلوبه الروائي هو ماسحرني
....هذه اللغة مهمة أهمية القصة نفسها )
بول لايروي فقط هذ الأحداث والذكريات ، بل يدقق ويقراويتأمل بعمق ودقة آثار والده ويحاول أن يتعامل معها على انها مصادر للحقائق المخفية عنه .
بعد وفاة والده دخل المنزل تعتصره المرارة ويشعر كأن كل غرض يحمل حكاية عن والده وسرا جديدا
 
وظل طيلة عشرة أيام كأنه يقرأ هذه لأشياءوالحاجات
والتذكارات والصور العائلية ،والألبوم الفخم  الفارغ  والكتب  ،والاثاث المهتريء .
كل شيء في مكانه لم يتحرك من سنوات حتى فساتين والدته مكدسة بصندوق لم يتخلص منها ،والكثير من الحاجات والأوراق  بالادراج المنسية .
و البسكويت المنتهي الصلاحية  في المطبخ  وأكياس السكر التي تحولت لكتل صلبة والأطباق المدهنة حتى لاوجود للصابون .
إن الوالد اختار  الدخول لهذه العزلة بمحش إرادته
وكل شيءفوضوي ،أو رث يماثل حالته الذهنية وتشتته الذي وصل به مرة ليقود سيارته ويصل لمنزله القديم ويدخله وتفاجأ المالكة ويحاول الاعتذار
وكأنه كان مغيبا، أسيرا لعاداته القديمة ونسى انتقاله لمنزل آخر  .
(إنه دائم الغياب منذ ماقبل رحيله واعتاد القريبون منه على تقبل عزلته واختفائه عنهم ،وعلى اعتبار ذاك الغياب خصيصة جوهرية لوجوده)
حاول الجميع اقناع الوالد ببيع هذا البيت الرث الذي تحول على مدي 15عاما بسبب اهمال الاب من منزل فخيم بنوافذ مشبكة وسقف صخري وغرف وسيعة ملكية تبرز ثراء صاحب الدار .
.وتحول ذلك البهاء كله بلامبالا الأب وعزلته واعتباره المنزل مجرد محطة فقط وظل يعيش عيشة سائح يمضي جل وقته بالمطاعم ويصرح أكثر منمرة أنهسعيد والبيت ملالم له لن يغادره .
وتحول البيت إلى منزل للاشباح  يعلوه الغبار ويعشش به العناكب ،وأخذ الابن وقتا لينظفه ويقدمه للمالك الجديد ويحاول التخفف من بعض الاثاث ببيعها ويتحمل أخلاق الاقارب الطامعين ومشقة التعامل مع كل هذه الفوضى
ويلجأ لاخذ بعض  أغراض والده وكتبه ووضعها في شاحنة جمع التبرعات.
ويصف بول عمق شعوره بالفقد في صور موجعة ودقيقة :
(قيامي برمي رباطات العنق تلك كان أشد علي من رؤيته في النعش وينزل في الارض ).
(أشعر أنني دهيل وطفيلي كلما فتحت درجا أو دسست رأسي في خزانة ،أشعر أنني لص يفتش أماكن سرية في عقل رجل ).
(إذا أبقيت الصور نصب عيني دوما وواصلت على تاملها دون انقطاع بكامل انتباهي  سيكون الأمر كما لو أنه حيا ).
(زال الغبش أخيرا )...
وأفاق الابن من صدمته وانتبه إلى حقيقة الموت المباغت الذي لايستأذن أحدا .
استمتعت بقراءة هذه المذكرات ،اللغة جميلة والأحداث مشوقة لمتابعتها والمؤلف يضع بثنايا كلماته تاملا للنفس البشرية وطبائعها وأسئلتها عن المحبة والغياب والفقد .
هناك كتاب يقرأنا ويمس روحنا وهذا بعض مافعله هذا النص بي وأعادني لتجربة رحيل الغالي والدي
عندما رحل بغتة بغير وداع ولا تمهيد ...
وبرغم ضراوة الشعور بالخسارة كانت الكتابة دوائي الذي شفاني ورفع غشاوة الحزن عن عيناي .
وساعتها لماقررت الكتابة عنه حاولت أن أستعيده وآنس به للحظات على سطور قصيدتي لأتعرف عليه مجددا ولشد ماهالني صورته التي تشبهني ووجدته يعلمني في البعد مثلما كان يعلمني في القرب .
واكتشفت أنني قوية كفاية لأحتمل وقوفي من غير أن أستند إليه ،وبدلا من أن ترتبط رؤيتي لصوره وحاجاته بالحزن والدموع تحولت للسعادة باستحضار ذكرياتي الجميلة معي وكوني ابنة أبيها الكبيرة المدلله على عكس كل الاعراف الصعيدية التي تجعل الدلال والتمكين والقوة والحماية للولد ولكن الغالي والدي وهبني تلك المكانة بقلبه وبين عائلتي ولم ينتقصها  حتى بعدمارزقه الله بأخويَّ.
شكرا لهذا النص الذي أعادني لتلك التجربة التي قوتني.
وحقيقة اغبط المؤلف بول أوستر على جراته في عرض هذه الوقائع بكل وضوح ولم يهتم بكل مهاجمة وانتقاد عائلته له واتهامه أنه يخترع الأكاذيب ..
ولكن لأي مدي يمكننا أن نتاكد من صدق هذه  الرواية عن الأب من قبل بول الابن؟
لسنا بحال من الاحوال بحاجة للتساؤل هذا أوللتدقيق في كونها صادقة أو كاذبة مختلقة؛لأننا ببساطة  أمام قلم شاعر وكاتب ولغة أدبية  وأحداث يتمازج فيها الخيال والواقع .
اختار لهاكاتبها  قالب المذكرات، ووضع فيها بعضا منه وترك للقراء سعة التأويلات ومتعة الوصول لجوهر المعاني، والمختبأ بين السطور (اختراع العزلة ).مذكرات تستحق القراءة.
بقلمي :
نهى رجب 🖊












تعليقات

ارحب بكل نقد بناء

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليلي رواية (موت صغير )محمد حسن علوان

تحليلي رواية غراميات شارع الأعشى

تحليلي كتاب جبلنا الجليد يذوب .جون كوتر