قراءتي 1900مونولوج عازف البيانو في المحيط



1900مونولوج عازف البيانو في المحيط رائعة الكاتب الإيطالي ألساندورباريكو وترجمة جيدة متقنة لمعاوية عبد المجيد.

 يبدو النص بين المسرحية الحقيقية ،والقصة التي تقرأ بصوت مرتفع، وقد قدمت للمسرح ونالت شهرة واسعة. 

هي قصة مسرح احداثها السفينة فرجينيان في المحيط، وبطلها الرئيسي العازف الماهر على الإطلاق داني بودمان ت. د. ليمون 1900.

الذي سعى المؤلف لإضفات سمات مميزة لشخصيته سواء في اختيار اسمه الغريب المركب .

او في امتلاكه  قصة عجيبة عن طفولته ، وُجد على سطح بيانو ،ويرجح  تركته والدته الفقيرةالمهاجرة  على امل ان يلقاه احد الأثرياء فيربيه ،لكن رباه داني العجوز الذي احب سباقات الأحصنة واسماءهاوعندما رحل بدا ظهورموهبة الصبي العازف وتعلق بموسيقاه الجميع .

الراوي هو عازف البوق الذي انبهر بشخصية عازف البيانو الغريبة وموسيقاه الساحرة الاستثنائية .

الذي يبدو غريب الاطوار كانه في حالة الهام وشغف بالعزف ويجيدفن الإصغاء وقراءة الناس والتعرف على العالم من خلال صوتهم واحاديثهم التي تكشف عن مواطنهم كان العالم يأتي إلى سطح السفينة

تنكشف  في النص ثقافة موسيقية رفيعة  من طريقة المشهدية البارعة في عرض أنواع من الإيقاعات ووصفها النابض بالكلمات ، منها الفالس المتسارع الذي عزفه اثناء الإعصار ،وإيقاع الريجتايم الحزين الذي يوثر في الركاب ويجلب الدموع وموسيقى ديكسي التي تثير البهجة وموسيقا الجاز الصاخبة .

اسلوب الساندرو ساخر لاذع في حواراته وسرده   مثلا عندما يصبح القبطان سميث اعمي والطاهي من باريس ولا وجود للمطبخ على السفينة لان المهندس  كان فاقدا للشهية فلم يصممه.


 ويجيد صناعة المفارقات فنلمحها  بين الركاب من  الدرجة الأولي المرفهين وبين ركاب الدرجة الثالثة من المهاجرين البسطاء ، وكان يستلهم من اغانيهم ورقصاتهم ويشاركهم  بملابس غير رسمية مع الفرقة


وتنكشف لنا نماذج بشرية تحتمل المعاناة من الفقر المدقع الذي اضطر بعضهم لترك طفله؛ لأنه لايستطيع إطعامه، او يصنع آخرون  ملابسهم من الستائر والأغطية في السفينة ؛ليصلوا إلى امريكا وهم في كامل اناقتهم .


ويجد الراوي من البداية شبها بين تلك السفينة وتايتانك ،وربما نلمح  فيها تمهيدا يوحي بالخاتمة الحزينة ،تايتانك غرقت بعد اصطدامها بجبل جليدي

ادي لتحطمها وغرقها.

 وهذه السفينةفرجينيان   تحطمت إثر التفجير بصناديق الديناميت وبفعل بشري واثر من آلة الحرب التي افسدتها وخربتها وبالنهاية ساهمت في تفجيرها وتحطيمها .



 ونتعرف مع الراوي على اسباب عزف الفرقة  حتى يؤنسوا الركاب من وحشة المجهول، والخوف ،بعض الركاب هرب من الدائنين وبعضهم سافر للبحث عن الذهب ،ارادوا منهم بعض الأمل والطمأنينة وإلهاءهم عن مخاوفهم .


 عازف البيانو كما نال استحسان المهاجرين  خلب لب الأغنياء ايضا فنزل السيناتورمن الطابق الاول المميز  للدرجة الثالثة ليستمتع بموسيقا عازف البيانو العبقري .


بل تزداد شهرة العازف وينقلها الركاب عند وصولهم بلادهم  لدرجة ان يصل إلى مسامع مبتكر موسيقى الجاز جيلى مورتن قصة هذا العازف في المحيط  ويحضر خصيصا على ظهر السفينة .


في مبارزة موسيقية تنافسية ، تنتهي لصالح عازف البيانو الذي ماإن يندمج في حالته وشغفه حتى يبدوكالممسوس الساحر  يمتلك كل التأثير على المستمعين ويعزف بموسيقى عجيبة مبهرة لم يسمعها أحد قط .


القصة تحمل نوعا من الفلسفة عن الحياة والمعرفة وكيف ان قراءة الناس والتعرف عليهم تقودنا للتعرف على الأماكن وان الحياة متسعةكبيرة  مثل بيانو عملاق  لاتعد مفاتبحه ولا تحصى .


وتتألق  معني الصداقة  التي مثلها بعلاقته مع

 عازف البوق الذي اخذه إلى صالة الرقص في وسط الإعصار؛ ليعزف معه حتى احدثا الفوضي وعاقبهما القبطان بالنزول إلى غرفة المحركات ومن يومها لازمه وانبهر بشخصيته .


ونلمح مدي روعة هذا الصديق الذي يصر ان يتعرف على دواخل العازف يساله عن سبب بقائه ،ولماذا لايغادرويعيش حياة مستقرة هادئة ، يبدو إخلاصه في طريقة وداعه وفي  عودته مسرعا ليلتقي صديقه في المرة الأخيرة قبل الانفجار .


عازف البيانو ظل اعواما طويلة على السفينة لايغادرها وعندما  اراد مرة ان يجرب النزول للساحل حتى يري البحر وكأنه يريد ان يعرفه من وجه نظر ثانية.

  للحقيقة وجهان واكثر من طريق للوصول إليها ،وهو خَبِر المحيط والبحر من على سطح سفينته الأم لكنه اراد ان يعود للبر ويسكنه ويتعلم منطقهم ويري بعيونهم هذا البحر .


لكنه عاد ورجع عن قراره بالمغادرة بعد ان نزل درجات  وعندما خربت السفينة جراء استخدامها كمشفى متنقل بالحرب، قُرر تدميرها وملأت بصناديق الديناميت، لم ينزل عازف البيانوفي إصرار غريب جلس علي صندوقه منتظرا النهاية الحتمية الفاجعة .

وفي تتمة للنهاية يتخيل عالما بعد موته  زراعيه ،ويعرض عليه زراعين ايمنين بدل مافقده  ويوافق العازف .

.لكن اعتبرت  القصة انتهت عند صناديق الديناميت  

ولم تكن الجزئية  الثانية المكملةموفقة، وجدتها زائدة على النص متكلفة وغير مقنعة .

القصة مشحونة بالكثير من المشاعر المتباينة ويمثلها بصدق العازف نفسه بتضارب افعاله بحيث يصعب الحكم عليه هل هو تعيس ام سعيد؟

 فقط بدا شغوفا بما يصنع وبمشاركته السامعين،كان العالم ياتي إليه على ظهر السفينه ؛ليراه ويتعرف عليه ويعيشه بخياله كما يحلو له .

لكن عندما فكر ان يجرب فعليا الحياة المستقرة على الأرض لم يجرؤ على التنفيذ ؛لأنه رآها ممتدة بلا نهايات  ، واعتبر  البحر والعزف والسفينةالأم وطن لايمكنه مفارقته.


 وبالرغم من  ان اختياره الموت على الحياة يعتبر جنونا لكنه من منطقه الفيلسوف، اعتبره الحل الأمثل لبقائه في عالمه بعيدا عن مخاوف وخيارات متباينة لم يعرفها او يختبرها من قبل .

وبمعني ادق لم يجد معني للمغادرة من وجة نظره بينما توهم صديقه عازف البوق انه وجد هذا المعني فترك السفينة .

قصة تستحق القراءة  والتأمل رغم قصر النص لكنه يحمل ثراءا في المحتوي وقدرة على إدهاش القارىء .

قراءة ممتعة .

نهى رجب ⚘







 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليلي رواية (موت صغير )محمد حسن علوان

تحليلي رواية غراميات شارع الأعشى

تحليلي كتاب جبلنا الجليد يذوب .جون كوتر